مهرجان جيبطيليكوم الدولي للشطرنج بجبل طارق :
مثال الاستثمار المنبني على خبرة في الشطرنج وفي التسيير المقاولاتي
عبد الحفيظ العمري
بفضل مهرجان جيبطيليكوم الدولي للشطرنج، أمكن لصخرة جبل طارق التي لا تزيد مساحتها عن خمسة عشر كيلومترا مربعا أن تكون عاصمة للشطرنج العالمي لمدة عشرة أيام، جامعة حولها ملايين المهتمين من كل العالم، وفارضة ذاتها محطة من أهم محطات الشطرنج في العالم.
هذه الحقيقة لم تأت صدفة، ولا نتيجة رغبة عابرة، ولكنها تأتت بفضل إرادة خطط لها شخص له وضع متميز يسمح له بأن يحقق إرادته، فالسيد برايان كالاهان هو قبل كل شيء هاوي شطرنج، ورجل أعمال بالصخرة واسع العلاقات، يستثمر في السياحة، من خلال فندق "كاليطا" بجبل طارق المصنف بأربعة نجوم ألف (والذي سيرتقي إلى خمسة نجوم في العام القادم بفضل التحسينات التي أدخلت على الفندق)، ومن خلال مشاريع أخرى في بلدان مختلفة كإنجلترا والمغرب، وقاده حدسه إلى أن رياضة الشطرنج محدودة الانتشار جدا في الصخرة، يمكنها أن تلعب دورا أساسيا في التعريف بجبل طارق في العالم من خلال مختلف وسائل الإعلام، وفي خدمة الشطرنج العالمي من خلال منافسة من أعلى مستوى، دون حساب الدوريات الموازية، وفوق هذا وذاك، تحريك النشاط في فندق كاليطا وفنادق جبل طارق في فترة الكساد السياحي...
ولأجل تحقيق هذه الأهداف السامية لم يتقشف السيد كالاهان، وإنما تعاقد مع واحد من أكبر وأبرز المنظمين في العالم الحكم والمنظم الدولي الإنجليزي ستيوارت روبن، الذي يشغل أيضا منصب رئيس لجنة التنظيم بالاتحاد الدولي للشطرنج، وإلى جانبه عدد من أبرز الحكام الدوليين، خصوصا من ويلز وإنجلترا واسكتلندا، إلى جانب حكام مساعدين، من درجة دوليين من أستراليا والمغرب...حيث بلغ مجموع الحكام الدوليين في الدورة الخامسة ثمانية، لكل تخصصه في المهرجان، مع ما يعنيه ذلك من كلفة عالية في أداء تذاكر السفر والإقامة والتغذية والتعويض عن المهمة، بالإضافة إلى طاقم الفندق الذي اكتسب خبرة هائلة في التنظيم.
وعلى مستوى التنافس، راهن السيد كالاهان على ثلاثة عناصر، الأول : جلب الأسماء الكبيرة، وعلى سبيل المثال فقد كان عدد الأساتذة الكبار في الدورة الخامسة 39 أستاذا كبيرا، ضمنهم الإنجليزي مايكل أدامس المصنف ثامنا في العالم بمجموع 2735 نقطة، والأرميني فلاديمير أكوبيان المصنف في الصف الثالث عشر عالمي برصيد 2701 نقطة....بينما عرفت الدورات السابقة لاعبين من نفس المستوى تقريبا كالإنجليزي نيغل شورط والإسباني أليكسي شيروف..
الثاني : تقديم جوائز مرتفعة، فقد بلغ إجمالي الجوائز في الدورة الخامسة أكثر من 120 مليون سنتيم، بزيادة تقارب الضعف مقارنة مع الدورة الأولى سنة 2003.
الثالث : استغلال أحدث الوسائل التكنولوجية ليكون المهرجان حاضرا في كل العالم، من خلال متابعة مباشرة عبر الأنترنيت بواسطة الرقع الإلكترونية الثماني الأولى، وبعد ذلك يتم نشر باقي الأطراح مساء نفس اليوم، وتم خلال هذه الدورة الخامسة تجريب تيكنولوجيا جديدة تقوم على تسجيل الأطراح مباشرة في ذاكرة رقمية، عوض التسجيل على الأوراق، وهذه الذاكرة التي تكلف كل منها 359 دولار، وهي اختراع كندي، مرتبطة مباشرة بالإنترنيت عبر نظام "ويفي" أي أن النقلات تنشر مباشرة، وبمجرد توقيع اللاعبين بواسطة القلم الرقمي على سطح الذاكرة عند نهاية المنافسة يتم طبع الطرح ليخرج على الورق !!!!
ودون الدخول في تفاصيل تنظيمية أقل قيمة مما سجلنا، فقد لاقت التجربة نجاحا كبيرا لدى المستشهرين المحليين لسببين رئيسيين، الأول مرتبط بدعم تجربة تدخل في إطار خدمة جبل طارق، بما هي منطقة خاضعة للانتداب البريطاني وتسيرها حكومة محلية، وهذا التصور ترفعه كل مؤسسة تعتبر ذاتها في خدمة الوطن، والثاني يتكامل مع الأول وهو تحسين صورة المؤسسة ورفع قيمة المنتوج في علاقة مع الصورة الناجحة التي يقدمها المهرجان، ويمكن لمن حضروا حفل الختام الراقي وعالي المستوى، أن يلاحظوا رضا المستشهرين على تعاملهم مع المهرجان.
ولكي يضمن السيد كالاهان استمرار نجاح المهرجان، فهو لم يكتف بمجهود الدورة الأولى ليكرره كل سنة، بل إن كل دورة كانت تختلف عن السابقة، بمشاركة كمية ونوعية أفضل، وأساسا بارتفاع جوائز الدوري من حيث قيمة الجوائز وتوسيع الفئات المستفيدة منها، ولأجل الوصول إلى هذا التحسن المطرد للمهرجان، كان السيد كالاهان يستمع لجميع الملاحظات ويسجل جميع الاقتراحات، وعلى سبيل المثال، فقد كان في الدورات الأربع الأولى يستدعي لحفل عشاء عمل فاخر الحكام ويستمع لملاحظاتهم واقتراحاتهم، ويستدعي الأساتذة الكبار لنفس الغاية، وفي الدورة الخامسة استدعى أيضا ستة لاعبين من دوري التحدي (أقل من 2200 نقطة) والهواة (أقل من 1800 نقطة)، وخلال هذه المناسبات، أعلن السيد كالاهان أن تنظيم المهرجان في السنوات الثلاث القادمة مضمون في شروط أفضل من الحالية !!!!!
لقد فضلت أن أغطي مهرجان جيبطيليكوم للشطرنج بجبل طارق من الزاوية التنظيمية، لكي يطلع قراء الموقع على الوجه الآخر للمنافسة الرياضية، يقول المثل المغربي : "زواج ليلة تدبيرو عام"، وأكيد أن السيد كالاهان خسر نسبيا في تنظيم الدورة الأولى، لكنه الآن يربح على أكثر من مستوى، وبالنسبة لشخص واسع الغنى مثله، فإن أكبر ربح له هو المهرجان في حد ذاته كمنافسة دولية عالمية تجعل بلده محط أنظار الشطرنجيين في العالم، منافسة جعلت جبل طارق الضيق جغرافيا واسعا اتساع العالم الجديد بفضائه الإعلامي الكبير...



Al-Modiahki Mohamed et sa femme Chen Zhu

