أود أن أوجه تحية شطرنجية شعرية خالصة إلى الشاعر المجيد عبد العالي الكويش الذي أتحف رواد الموقع بقصائده اللطيفة الممتعة...وذلك من خلال إعادة نشر هذا المقال من " الإبرة والهشيم" الذي اختفى من ذاكرته ـ على ما يبدو ـ لأسباب تقنية. والموضوع لم يفقد رمزيته... ولكن أي تشابه في الصفات والألقاب يظل من قبيل الصدف الماكرة... فوجب التنبيه. وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل بحول الله.
الشطرنج رياضة ذهنية ممتعة؛ من أروع الألعاب التي ابتدعها الإنسان طيلة تاريخه المعروف.هي علم من حيث ارتكازها على المنطق والتحليل الرياضي، ومنهجها المعتمد على الاستنتاج وتراكم التجارب ووضع القواعد العامة. ولها نصيب وافر من الفن لأن تفاعل القطع وتغير الوضعيات وتباين التوليفات يتيح إبداع لوحات غاية في الجمال. كما أن مجال المسائل الشطرنجية بشتى تنويعاتها يمكن من التعبير عن أفكار فنية بعيدا عن ضغط المنافسة الرياضية.
لكن الشطرنج اكتسب قيمته ومكانته الاعتبارية من خلال ارتباطه بتراث الشعوب الفكري وآدابها. وتكيف مع مجالات إبداعية معاصرة كالسينما والتشكيل واللسانيات. ولا أستطيع في هذا المقام إيراد الأمثلة لأن الأمر يتجاوز مقام هذه الزاوية المتواضعة.
ويظل الأدب العربي شعرا ونثرا، مجالا خصبا لاستعمال الشطرنج وتعبيراته الرمزية حيث يحضر في أشعار امرئ القيس وجرير والفرزدق والمتنبي والمعري وابن الرومي وابن المعتز وعمر الخيام وصفي الدين الحلي وغيرهم من كبار الشعراء، القدماء والمحدثين، دون أن ننسى بروزه المتكرر في كتابات الجاحظ أو بحكاياته وإيحاءاته الواردة في "ألف ليلة وليلة" ؛ وانصح القراء في، هذا الصدد، بالاطلاع على الفصل الذي خصصه الأستاذ عبد الحفيظ العمري في كتابه" الشطرنج هدية العرب إلى العالم" الذي أصدره في متم 2002 ضمن سلسلة" شرفات" للحديث عن "الأسماء التي أبدعت في الشطرنج وأغنته".
وتنم القصائد والمقطوعات التي أبدعها عدد من كبار الشعراء العرب عن إلمام دقيق بلعبة الشطرنج ـ وفق القواعد التي كانت تخضع لها آنذاك ـ وخصوصيات القطع والوضعيات المختلفة التي تخلقها. وتكتسي بعض الأشعار طابعا فلسفيا بحتا كما نجد في رباعيات الخيام :
إنما نحن رخاخ القضاء ..... ينقلنا في اللوح أنى يشاء
وكل من يفرغ من دوره ..... يلقى به في مستقر الفناء
وتفصح أشعار ابن الرومي عن لاعب ماهر قد يكون أول من تنبه إلى تأثير العوامل النفسية في المباريات الشطرنجية حيث يصف طريقة لعب الشطرنجي الشهير أبي القاسم التوزي بقوله :
غلط الناس لست تلعب بالشطرنــــــــج بل بأنفس اللعباء
لك مكر يدب في القوم أخفى من دبيب الفناء في الأعضاء
غير أن الاستعارات الشطرنجية المكثفة التي فطن لها الشعراء العرب، ولاسيما في عصور الانحطاط السياسي والأخلاقي هي تلك التي تتعلق بتقلبات الزمان وانهيار الأخلاق وتسلق من لا يستحق درجات الثروة والسلطة والوجاهة والنفوذ. لقد جعلت الصيغة القديمة لقواعد الشطرنج الرخ أقوى قطعة في الدست ( المباراة) مقابل البيدق (بالذال أو بالدال). ,إذا كان الشطرنجيون ينصحون بعدم الاستهانة بهذه القطعة "الضعيفة" ( فكم من شاهة غلبت ببيدق كما يقول الشاعر). فقد صارت ترقية البيدق إلى فرزان رمزا لضعف الرخاخ والفرازين أو غيابها عن الرقعة، ودليلا على انهيار القيم.
يقول بن أبي حجلة التلمساني صاحب كتاب "أنموذج القتال في نقل العوال"
تقدم قبل الرخ أبخس بيدق ..... وآخر من أمسى له القبض والبسط
ولا خير في الدنيا ونعيمها ..... إذا انحطت البازات وارتفع البــط
ويقول الشاعر المغربي الشهير ابن زاكور في نفس المعنى" :
يا بيدق الرخ في أطراف رقعته ..... لقد تفرزنت لما قلت القطع !
ويبدو أن هؤلاء الشعراء النابهين كانوا على درجة من المهارة في لعبة الشطرنج بحيث اكتشفوا قبل تطور النظريات المعاصرة أن بيدق الرخ هو فعلا أضعف بيدق على الرقعة وله الحظ الأقل في الترقية خلال النهايات البسيطة. لكن شيوع ثقافة الانتهازية خلال عصور الانحطاط كانت كفيلة بأن "تقلب للدهر ظهر المجن" كما يقول المثل العربي، فيختال البيدق الضعيف في الرقعة الخاوية.
ما العمل إذا كان التاريخ يعيد نفسه؟ هل نتبع نصيحة الشاعر "ابن الهبارية"
وإذا البيادق في الدسوت تفرزنت ..... فالرأي أن يتبيدق الفرزان !
أم علينا أن نحتفظ بجرعات كافية من الأمل، مؤمنين بأن الزمن كفيل بإعادة "البيادق" إلى أحجامها العادية وخاناتها الطبيعية. ...
محمد مبارك ريان





