لعل أول ما يتبادر إلى الذهن أن صاحب هذا الاتهام الخطير في صيغته قد يكون من بين الأغلبية المعارضة، هذا التهجم اللفظي وقع يوم 5 مارس داخل مقر الوزارة وبحضور ثلاثة من أطرها، الغريب في الامر أن لا أحد منهم استنكر أو إعترض في حق عضو المكتب السابق صاحب هذه الخرجةالطائشة. ماذا جرى بعد ذلك؟
أياما معدودة بعد هذا الاجتماع طلعت مجموعة أعضاء المكتب السابق ببيان تعلن فيه من جانب واحد مقاطعتها للاجتماع الثاني الذي كان متفقا على عقده في غضون الأسبوع الموالي للحسم في بعض النقط العالقة. أن يتم الاعتماد على ما نشر في موقع مغرب-شطرنج لاتخاذ مثل هذا الموقف يعد سابقة في تعامل هؤلاء مع هذا المصدر الإعلامي ويمكن أن تكون له أكثر من دلالة.
المواقف المعبر عنها دون ربط اسم صاحبها بصفة تمثيلية معينة تبقى شخصية ولا تلزم إلا صاحبها كما هو متعارف عليه، ونفس الشيء ينطبق على كاتب هذا المقال. فمن خلال هذه التعبيرات المختلفة يمكن لمتتبع مسار الشطرنج المغربي أن يكون فكرة حول ما جرى وما يجري في ميدان هذه الرياضة. حين يأتي موقف بعض الأطراف كمجرد رد فعل عن رأي شخصي فإن وراء الأمر محاولة للتهرب من طرح المشاكل في عمقها والالتفاف على الأسباب الحقيقية لمتابعة اللقاء التشاوري من أجل التوافق . التنصل من تحقيق هذا التوافق كان متوقعا نتيجة ما حصل خلال لقاء 5 مارس كما سنبين بالملموس وبكل وضوح من خلال استحضار المواقف المعبر عنها داخل مقر وزارة الشبيبة والرياضة. بالفعل التملص من مواصلة الحوار كان واردا بقوة بالنظر إلى نتيجة اللقاء الأول.
لقد كان حضور ممثلي الوزارة بطاقم مهم من أطرها دليل على محاولة رأب الصدع والوصول إلى حل توافقي للخروج من مأزق لن تؤد أي محاولة لتجاوزه بالإقصاء سوى إلى مزيد من تعفن الوضع الآسن الحالي وإلى تعميق الخلافات.
حرس السيد البكاوي، المسؤول الأول بمديرية الرياضات ، رغم التزاماته ذلك اليوم، على التدخل لمحاولة وضع إطار يؤسس لنقاش مسؤول بالإمكان أن يفضي إلى توافق لمعالجة كل الإكراهات والتهيئ لجمع عام انتخابي. حين فضل نعث المشاركين "بلجنة الحكماء" لم يكن ذلك على سبيل الإطراء بقدر ما كان طلبا بتجاوز كل ما يمكن أن يعيد النقاش إلى نقطةالصفر والدخول في متاهات محاسبة واتهامات متبادلة عقيمة، اقترح السيد البكاوي أن ينصب النقاش حول الدعوة لجمع عام انتخابي ومناقشة جميع العراقيل الممكنة تباعا قصد الوصول إلى اتفاق لتجاوزها.
بعد اعتذار السيد البكاوي عن مواصلة الاجتماع نظرا لالتزاماته المهنية، خرج النقاش عن إطاره الصحيح وكانت أولى بوادر ذلك اضطرار أحد أطر الوزارة التدخل لتنبيه البعض إلى احترام أخلاقيات الحوار . أبى أحد ثلاثة أعضاء المكتب السابق إلا أن يجر النقاش خارج الإطار المعلن إما لعدم استيعاب المقصود من التدخل التوجيهي وإما التزاما أعمى بمواقف مسبقة . بعد الاتفاق على حصر نقط جدول أعمال الجمع العام في انتخاب الرئيس وبقية أعضاء المكتب الجامعي حصل خلاف حول الأندية التي لها حق التصويت. وهنا ظهر تناقض صارخ بين تدخل أحد الثلاثة كمدخل لالتزامهم بأي اتفاق حيث أكد أن ذلك لن يكون ممكنا إلا باحترام وتطبيق القانون. بعد ذلك بدؤوا يدافعون بإستماتة عن عدم اعتماد وصل الإيداع كشرط للمشاركة في الجمع العام والاقتصار على المعايير الثلاثة التي ينص عليها النظام الأساسي، أداء واجب الانخراط، المشاركة في أحد الأنشطة وعدم التعرض لأي إجراء تأديبي، في الوقت الذي تشبثنا فيه دفاعا عن القانون والشرعية بضرورة احترام النصوص التي تنظم مجال رياضة الشطرنج : النظام الأساسي للجامعة، قانون الحريات العامة وقانون التربية البدنية . والأندية كجمعيات تستمد صفتها القانونية من احترام مقتضيات قانون الحريات العامة (وليس القانون المتعلق بالإرهاب) ومن بينها أساسا الحصول على وصل الإيداع كما تنص على ذلك المادة 5 من النظام الأساسي (ص 2) "أن قامت بالتصريح المنصوص عليه في المادة 5 من الظهير الشريف رقم 1.58.376..."، الاقتصار على المادة 9 وبتر المادة 5 من النظام الأساسي التي سبقتها لا يمكن أن تخفى مراميه على أي أحد : ضمان الحصول على أصوات أندية لا تستوفي كل الشروط القانونية وتتشكل أساسا في بعضها من التي كانت تستفيد من هذه الوضعية في الجموع العامة السابقة . مبررات المدافعين عن التجاوز القانوني واهية : سبق التعامل بهذا التساهل مع أندية داخل جامعات أخرى، صعوبة الحصول على وصل الإيداع والتخوف من التأخير في تطبيق المسطرة لتحقيق ذلك، بل حتى القانون المتعلق بالإرهاب ثم إقحامه بطريقة تعسفية ومستفزة كمرجعية أصبحت تعتمد في مجال الحصول على وصل الإيداع. اقترح الطرف الآخر إمكانية تأخير الجمع العام شهرا أو شهرين إذا اقتضى الأمر ذلك لتمكين جميع الأندية من استكمال شروط الحصول على وصل الإيداع. هنا وللأمانة لابد عن الإشارة إلى أن بعض أطر الوزارة ساندت في الأخير ضرورة إستكمال كل الشروط القانونية بالنسبة للأندية.
النقطة الثانية التي بقيت عالقة تهم الدعوة إلى عقد الجمع. نظرا لأن المكتب السابق انتهت مدة صلاحيته مع متم سنة 2008 فإن الطريقة الوحيدة لعقد جمع عام يستكمل كل الشروط القانونية تتمثل في تفعيل العريضة الموقعة من طرف أكثر من ثلثي الأندية والتي يحق قانونيا لأي منها القيام بالدعوة للجمع العام، الطرف الآخر تشبت بحقه في هذه الدعوة في خرق سافر للقانون وفي محاولة يائسة لإضفاء شرعية مفقودة والتغطية على تجاوزات خطيرة ستكون لها مخلفات على المدى القريب.
محاولة اختزال كل مشاكل الشطرنج المغربي في المواجهة بين السيد العمري والجامعة لا تصمد أمام قوة الواقع وترمي في الحقيقة ثلاثة أهداف :
الالتفاف على مشاكل الشطرنج المغربي الحقيقية من أجل صرف الأنظار عن الوضعية المزرية الحالية وعن ضرورة الإصلاح الجذري لإنقاذ رياضة الشطنرج.
محاولة فرض أمر واقع يتمثل في مواصلة مكتب غير قانوني انتهت مدة صلاحيته كجهاز يحاور الصحافة، الوزارة, و الأندية, ضدا على ما ينص عليه النظام الأساسي للجامعة، حيث لا اجتهاد مع النص.
إعادة إنتاج نفس الأسلوب البدائي في الحملة الإنتخابية بإشهارللفزاعة العمري وإقناع رؤساء الأندية بأن الأغلبية الساحقة من الأندية هي مجرد أطياف ممتثلة ويمكن التأثير عليها , وثني مجموعة منها عن مواقفها المبدئية بعد ان فشلت كل المحاولات السابقة باستعمال العصا والجزرة.
مشاكل الشطرنج المغربي اليوم عديدة وعميقة ولا يمكن مواجهتها إلا بالإقرار بوجودها ومحاولة تشخيصها ثم اعتماد إستراتيجية وخطة محكمة لتجاوزها : ديون فاقت ضعف منحة الوزارة بفعل تسيير لم يأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات الماديةالحقيقية للجامعة، فراغ الجامعة من المعدات الضرورية لتنظيم التظاهرات الشطرنجية أو الإشراف عليها، التسيير الفردي للجامعة، الخروقات القانونية المتعددة التي تلت استقالة الرئيس السابق إلخ...
إذا كانت الجامعة تجتر بالفعل مجموعة من المواجهات مع السيد العمري فإن طرحها على القضاء ليس جناية في حد ذاته وقد يعرض السيد العمري كذلك لفقدان المصداقية إذا ما تبين عدم وجاهة متابعاته. إلا أن المشكل اليوم هو قائم بين أغلبية ساحقة للأندية من جهة وأقلية ملتفة حول رئيس مستقيل ومكتب انتهت مدة صلاحيته القانونية ولازال يتشبث بممارسة اختصاصات لا يخولها له القانون. هذا هو الوضع الحقيقي وكل حل قد تساهم الوزارة الوصية لفرضه بطريقة أو بأخرى على غالبية الأندية بتغليب كفة أقلية واستعمال كل الوسائل لتحويلها إلى أغلبية مصطنعة، سيفضي في نهاية الأمر، عوض الخروج من الأزمة العميقة الحالية، إلى فتح باب واسع أمام عدم الاستقرار ومواجهات أليمة ستطول ولا يمكن لأي أحد أن يتكهن بأجل نهايتها.
ماذا يستفاد من كل هذا المسلسل؟ ثلاثة خلاصات أساسية :
1- شعور الوزارة بالورطة التي سقطت فيها الجامعة الملكية المغربية للشطرنج ومحاولة رأب الصدع دون أن تتخلى عن موقفها الاستراتيجي المساند لأعضاء من المكتب الجامعي السابق وعدم التزام الحياد الإيجابي الذي يفرضه عليها واجبها كسلطة وصاية وذلك لأسباب متعددة سيأتي الوقت لتفصيلها، و لكل مقام مقال.
2- محاولة تمرير توافق يضرب في الصميم كل القوانين وكل المواقف المعبر عنها من طرف الأغلبية الساحقة للأندية بقبول مشاركة أندية غير قانونية والدعوة للجمع العام من طرف أعضاء مكتب يفتقدون للشرعية والمشروعية.
من خلال ما جرى اثناء اجتماع 5 مارس وما تلاه يتضح أن هذه المجموعة لم يكن أبدا في نيتها الوصول إلى حل توافقي : استفزاز ثم سب وقذف وبعد ذلك محاولة لعب ورقة السيد العمري للتأثير على بعض الأندية ووصولا إلى إتهام السيد العزوزي بكونه وراء كل مصائب الجامعة. إذا كان هؤلاء بالفعل مقتنعون بأن كل مشاكل الجامعة تتلخص في مواجهاتها مع السيد العمري فلماذا شاركوا في اجتماع يعلمون أن هذا الأخير لن يحضره؟
مقاطعة الاجتماع الثاني لأسباب واهية يدل بما لا يدع مجالا لشك أن ذلك يندرج في إطار خطة مسبقة ترمي إلى إظهار حسن النية ورمي المسؤولية على الطرف الآخر بطريقة و حيل لا يمكن أن تنطلي على أحد.
3- الحالة الكارثية التي تعيشها الجامعة الملكية المغربية للشطرنج كانت بالفعل تستدعي توفير كل الشروط لتحقيق توافق يفضي إلى مساهمة كل الفعاليات الشطرنجية لوضع خطة تهدف إلى تجاوز الأزمة الخانقة. وما أحوجنا اليوم لتعبئة كل الطاقات في عملية إعادة بناء الجامعة ولم شمل الأسرة الشطرنجية.
الشطرنج المغربي اليوم في مفترق الطرق والكل يتحمل مسؤولية تاريخية لنصرة الشرعية والمشروعية حتى نحيط الجامعة بكل الحصانات القانونية ونجنبها السقوط في عتمات المجهول وتدمير مستقبل اللاعبين والأبطال الذين يشكلون من بين كل الأطراف الضحايا العرضية لاستمرار النكسة.
محمد لامطي





Commentaires