• عندما أطلعني الأخ يوسف بوقدير ـ مشكورا ـ على هذا التصريح ، أحسست أننا رجعنا سنوات عديــدة إلى الوراء، إلى الثمانينات من القرن الماضي، أيام كان الجدال بل الصراع على أشده بين ثلة من الأطـر الشطرنجية الوطنية، معضدين بالجامعة الملكية المغربية للشطرنج على عهد المرحومين مصطفى البقالي وخلفه عبد الواحد الفاسي الفهري، وبين وزارة الشبيبة والرياضة التي كان يتولاها آنذاك عبد اللطيف السملالي. لقد كان المرحوم السملالي وزيـرا نافذا معتدا برأيه ، متصلبا في مواقفه ، يعتبر الشطرنج مجرد نشاط شبابي، موقعه الطبيعي في دور الشباب والمخيمات الصيفية، وإطاره المناسب داخل الجمعيات الرياضية والتربوية. وكان يرفض رفضا قاطعا إدراج الشطرنج ضمن القطاع الرياضي بالوزارة، واستفادته من المنح المخصصة للجامعات الرياضية، التي تعتمد أساسا على البطولات والمنافسات المنظمة، المتوجـة بألقاب وطنية مختلفة. وأذكر أن الوزير السابق استقبلنا في مستهل عام 1984 ( إذا لم تخنني الذاكـرة) بمكتبه بالوزارة ، وكنت بمعية الأساتذة مصطفى البقالي، عبد الواحد الفاسي الفهري، عثمان العلمي، لسان الدين داود والأخ عبد الحفيظ العمري، واحتد النقاش بيننا حول الموضوع، حتى اضطـر المر حوم الفاسي للتدخل قصد تلطيف الأجواء وإذابة التوتــر...
• وبغض النظر عن التضامن المنقطع النظير الذي طبع مواقف الجمعيات الشطرنجية الوطنية من أجل تحقيق هذا الهدف المشروع باعتراف الوزارة بالطبيعة الرياضية للشطرنج. فقد شهدت صفحات الجرائد الوطنية المقروءة والمؤثرة آنذاك،ولاسيما العلــم وأنــوال، سجالات قوية على شكل حوارات ومقالات وتقاريــر، توضح الطابع الرياضي الذي تكتسيه المباريات الشطرنجية، الخاضعة لقوانين رياضية صارمــة، تتمخض عنها ألقاب جهوية ووطنية ودولية مختلفة؛ كما تثير الانتباه إلى الطاقات الجبارة التي يبذلها لاعب الشطرنج خلال ساعات من التفكير والتركيز والتحليل، الأمر الذي يتطلب لياقة بدنية عالية، خصوصــا إذا اقتربنا من عالم المنافسات الاحترافية.
• وقدتكللت هذه الحملات وتلك الجهود بالنجاح في غضون سنة 1992، عندما اعترفت وزارة الشبيبة والرياضة رسميا بالشطرنـج كنشاط رياضي بامتياز ( على عهد الوزير بلقزيز)، وتم إلحاق الجامعة الملكية المغربية للشطرنج بقطاع الرياضة، الأمــر الذي أتاح الرفع من الاعتمادات المخصصة لها من قبل الوزارة من حوالى 60.000 درهم ( في أحسن الحالات ) إلى 300.000 درهم. كما فسحت المجال لاستدراج موارد مالية أخرى، مثلما أتاحتها اتفاقيـة الشراكة مع بنك الوفاء ( التي تبخرت في العهـد الأمزالي الزاهــٍر). كما أصبحت جامعة الشطرنج كذلك ـ بفضل هذا الاعتراف ـ عضوا في اللجنة الأولمبية المغربية.
• أتمنى أن يكون هذا تصريح السيد بلخياط مجـرد زلة لسان، غالبـا ما تتخلل جملة من الحوارات الصحفية التلقائية. أو محـض رأي شخصي، كما جاء في نص الحوار ذاتــه. ولربما ورد ـ حسب رأيي المتواضع ـ كجواب تبخيسي للجامعة الملكية المغربية للشطرنج، التي تسيل الكثير من المداد على أديم الجرائد الوطنية، بحيث تتجاوز الجلبة التي تثيرها موقعها الحقيقي في الساحة الرياضية الوطنية... ومن هنا جاء استعمال لفظ "الترفبـه" من طرف السيـد الوزير كوصف قدحي نرفضه تماما لكنه يؤشـر على الحالة المزرية إلى انحدرت إليها أوضاعنا الشطرنجية، و ينم عن تدهـور صورة الرياضة الفكرية النبيلــة في أذهان أصحاب القـرار.
• ولست أحبذ ـ في هذه الظروف بالذات ـ الدخول في جدل فكــري متجدد حول طبيعة الشطرنـج ومشروعية انتمائه للمجال الرياضي. نأمل أن يظل هذا التصريــح يتيما، وأن يلمس السيـد الوزيـر ميدانيا خطأ هذا التصنيف الذي لا يسايــر التطور الذي تشهده الحركة الشطرنجية على الصعيد العالمي، ولا ينسجم ـ بالخصوص ـ مع مواقفه الحداثية.
محمد مبارك ريان






Commentaires